بحث عن التلوث اللغوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بحث عن التلوث اللغوي

مُساهمة  حسين الدياربي في السبت 10 أبريل 2010, 11:11 pm

التلوث اللغوي
ولعل أول ما نلاحظه في هذا الشأن هو أن بناءنا اللغوي والثقافي بناء ينقصه التكامل والتجانس أو الانسجام بين وحداته . ففي هندسته نشاز ، وفي جوانبه ارتفاعات وانخفاضات ، وفي مادته أمشاج وأخلاط من العناصر . وفي عبارة موجزة نقول: إن هويتنا اللغوية والثقافية هوية مهزوزة ، يشوبها نوع من التفكك والاضطراب ، وضرب من التنافر والتناقض ، ومن ثم يسوغ لنا أن نقرر أن ليست لنا هوية لغوية وثقافية موحدة. فاللغة العربية ( وأعني بها اللغة المنطوقة ) تعاني من بلبلة الألسن، وتعدد اللهجات والرطانات التي تحسب بالعشرات ، بل بالمئات . وكذلك ثقافتنا القومية لم تنج من هذا التفرق والتمزق، ولم تسلم من الخلط وخلخلة البناء: فهناك ثقافة الخاصة، وخاصة الخاصة، وثقافة العامة، وعامة العامة، وثقافة رجل الشارع، وثقافة أهل الحرف والصناعات. وهذه الثقافات-وإن اتفقت في بعض الثوابت، وما أقلها- تدفع بأصحابها إلى مسارات من السلوك متباينة ، وتوجههم اتجاهات متباعدة ، ومن ثم يصعب الالتقاء عند نقطة الهدف القومي بعامة، وأعني بها فكرة الانتماء إلى الوطن المعين . وكذلك بالنسبة للغة .
اللغة العربية الآن فاقدة الهوية فاقدة العروبة . إنها أمشاج وأخلاط من الكلام :فصيحة نادرة الاستخدام ومملوءة باللحن والخطأ، وفي المدارس والمعاهد العامة تقدم بطريقة هوجاء ، غير منضبطة المعالم . وتقدم موادها أحيانًا باللغة العامية بل إن النحو نفسه يقدم بهذه الطريقة .
أما في الجامعات فإن أصحاب الاختصاص فيها لا يلقون لها بالاً ، ولا يهتمون بها ولا بدروسها الاهتمام المناسب، حتى إن مؤلفاتهم وآثارهم المكتوبة محشوّة بالخطأ والتجاوز ونلاحظ الخلط كل الخلط في تقديم المواد العلمية ، كالطب والهندسة ونحوهما، حيث يؤثر بعضهم التعامل مع الطلاب باللغات الأجنبية، ضاربين صفحًا عن اللغة العربية، في حين أنه من الأوفق والأسلم بل من الواجب تعريب اللسان باستخدام اللغة القومية.
إن أهمية التعريب في الوطن العربي تكمن في نقطتين مهمتين تؤثران مباشرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي نطمح إليها: أولاهما- إن الطالب الذي يتلقى دروسه وتعليمه بلغة أجنبية يعاني صعوبة استيعاب المادة التعليمية وتمثلها إلا إذا كان هذا الطالب قد بلغ شأوًا عاليًا من الثنائية اللغوية وهو أمر ليس في ميسور الأغلبية الساحقة من الطلاب . وثانيتهما- إن التنمية العلمية والتكنولوجية تحتاج إلى قاعدة شعبية واسعة تتمتع بثقافة علمية وتقنية ، وهذا ما يطلق عليه تعميم الثقافة العلمية، ولا يمكن إشاعة الثقافة العلمية ما لم تكن اللغة المستخدمة هي اللغة الوطنية التي يفهمهما الشعب ويصبح تعلمها في متناول الجميع
والشارع العربي لا علاقة له بالفصيحة ، وإنما هناك لهجات ورطانات فائقة العد والحصر وهنا نقف وقفة قصيرة مع هذه المشكلة ، مشكلة الفصحى والعامية.
تناحر القوم وتصارعوا حول هذه المشكلة .
وما بالك بالمدارس الأجنبية ومدارس اللغات ؟
لا ننكر أن مدارس اللغات لها اهتمام بالتعليم بعامة وبالعربية أيضًا. ولكن المشكلة تكمن في سيطرة اللغات الأجنبية على الجو التعليمي هناك، الأمر الذي يحشو أذهان التلاميذ بثقافات أجنبية، ويجذبهم نحو هذه الثقافات فتهتز شخصيتهم ، ويضعف – بالتدريج – انتماؤهم إلى الثقافة العربية.
أما المدارس الأجنبية فهي بدعة جديدة من بدع التغريب أو العولمة والمفروض ألا يلتحق بها تلميذ عربي، إنها خاصة بأهليها، ولكنا نعلم أن كثيرًا من أبنائنا يلتحقون بها. ما السر وما الحل ؟ لا أدري !!.
وليس معنى هذا كله أننا نحاول حجب اللغات الأجنبية أو اطراحها من الاهتمام. على العكس نحن نحرص كل الحرص على تعلمها والاهتمام بها ولكن بوصفها طلاءً لا بناء. البناء لغة عربية خالصة والطلاء أية لغة أجنبية أخرى .
وهذه الفوضى اللغوية أو ما نسميه نحن "التلوث اللغوي" واضح كل الوضوح الآن في السلوك اللغوي العربي وعند الشباب خاصة وهم رجال المستقبل وعماد الأمة .
* المشكلة :
إذن هناك مشكلة لغوية قد تؤدي إلى ذوبان اللسان العربي وفقد هويته، فيصبح القوم أقوامًا ناشزة متنافرة. وهذا بدوره يؤدي إلى الذوبان الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضًا – كارثة حقيقية - .
* ماذا نفعل ؟
نحتاج إلى تربية لغوية عربية عامة شاملة : في البيت والمدرسة والجامعة والمجتمع بأسره .
* كيف ؟
الطريق الأساسي في هذا الأمر في رأينا هو ما أوجزناه في عبارة واحدة، هو "اسمع وأسمع" ومعناه إذا أردت أن تمرن على لغة ما أو أن تحاول اكتسابها فالنهج الصحيح هو أن تسمع اللغة التي تود تعلمها تكرارًا ومرارًا . وبالتدريج تستقر آثارها في الذهن ، وتستقر هناك خزينة لغوية من مفردات باللسان الحي بصورة جهرية فيزيد الخزن وتنمو اللغة، وتصبح عادة ميسورة .
لم نتحدث العامية بطلاقة ؟
لم نتعلمها بالطرق التقليدية في أي مكان، إنما تعودنا على سماعها وخبرناها ومارسناها، وعلى منوالها نتكلم.
وهنا يأتي دور الإذاعة والتليفزيون. دور خطير ذو بال. إننا قوم نسمع ولا نقرأ… إلخ .
والمطالعة الجهرية بدور التعليم من خير السبل لتعرف اللغة واكتساب المهارة في استخدامها، المعلم الناجح يستطيع أن يعالج أصوات اللغة وصرفها ونحوها وأساليبها ودلالاتها في سهولة ويسر،كما يستطيع أن يعود تلاميذه على استخدام اللغة استخدامًا سليمًا إلى حد مقبول معقول.
ومناهج الدراسة في دور التعليم
تحتاج إلى نظرة علمية قومية، على أساس أن اللغة القومية هي الأساس لاكتساب المعارف وتحصيل العلوم كافة. وهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة.
أما بالنسبة للثقافة فإن وضعها الحالي ليس بأوفر حظًا من اللغة. إنها هي الأخرى مشتتة الأنحاء والجهات. ثقافة عربية سطحية خليط من هنا وهناك في كل مناحي الحياة. علوم منقولة بالنص أو الترجمة المغلوطة. وفي الكليات العلمية يقع الخلط الكبير في المحاضرات، حيث يحاضرون بالعربية ممزوجة بلغات أجنبية ولهجات عربية عامة وهذه كارثة.
كيف يحصل الطلاب وكيف يستوعبون؟
أما الثقافة العامة ونعني بها أنماط السلوك بين الجماهير العريضة فهي سلوك غريب عجيب وتقليد أعمى لكل غريب صالحا كان أو طالحًا، دون تفريق أو وعي. فوضى في كل مظاهر الحياة، من خروج عن التقاليد والأعراف، في الملبس والمأكل والمشرب(المطاعم دون البيوت)، والتجاوز في التعامل بادعاء الحرية أو الانطلاق في آفاق الدنيا الواسعة. وما الرأي في اللافتات، وما يجري في السينما والتليفزيون من تمثيليات ؟
ومظاهر اللهو والعبث بين الشباب بادعاء الترويح عن النفس أو التجديد في أنماط السلوك الموروثة ، أصبحت عادات شبه مستقرة عند هذه الطائفة من الناس. وقد أدى هذا كله إلى حرمانهم من سمات الأسوياء من البشر، من المحافظة على الوقت، وتحمل المسؤولية والوفاء بالأمانة في أقوالهم وأفعالهم.
إنها جميعًا من آثار التغريب أو العولمة في الثقافة . ويبدو أن هذا التغريب له جذور ووجود من وقت غير قصير. أعني بذلك ما جرى ويجري من التقليد الأعمى للآخرين والنقل عنهم دون وعي.
ومن المؤسف والمضحك معًا ما نلاحظه في العقود الأخيرة من الزمن من أن بعض السيدات الحوامل يسافرن إلى أمريكا أو إنجلترا ليلدن هناك حتى يكتسب الوليد جنسية فوقية لا عربية دونية .
أيها الناس: حقيقة الأمر أن العولمة هي أمركة سادت العالم طوعًا أو كرهًا، فمنهم من قبلها بنفسه ومنهم من فرضت عليه فرضًا وهي أمركة ثقافية ولغوية وسياسية وعسكرية أيضًا ونقول: لم هذا الفساد والإفساد الذي جرى ويجري للغتنا وثقافتنا؟ إنها قضية ذوبان لغوي وثقافي ويبدو أن هذا الذوبان آتٍ في القريب العاجل.
القضية ليست قضية أفراد أو فئة من الناس، إنها تحتاج إلى نظرة قومية سياسية علمية من الناحيتين اللغوية والثقافية، أو قل إن قضيتنا هذه تحتاج إلى تخطيط لغوي وتخطيط ثقافي وتخطيط روحي. كيف؟ الإجابة عند كل العرب مسؤولين وجماهير.
ونختتم كلامنا بالتساؤل الآتي: لم كان هذا الفساد والإفساد الذي غشَّى لغتنا وثقافتنا وغيرهما من السلوك في الحياة والتعامل معها ؟
هناك أسباب كثيرة منها :
1- النظرة الدونية إلى تراثنا ومقدراتنا وذواتنا وشخصنا .
2- ضعف الانتماء القومي .
3- التقليد أو النقل بدون وعي.
4- اللامبالاة والتسيب والأنانية والنظرة الفردية .
5- ذوبان الطبقة المتوسطة .
6- ضيق مساحة الحرية .
7- فقدان القدوة الصالحة ،
في البيت وفي الشارع والمدرسة والجامعة .
8- السطحية في التفكير والتعامل مع الأشياء .

حسين الدياربي
Admin

عدد المساهمات : 242
تاريخ التسجيل : 10/12/2008
العمر : 42

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ase3dady.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى